لمحة عن الجزء الثاني من الرائعة السينمائية ” العراب/The Godfather “

إكسبريس تيفي

قليلة هي الأفلام الهوليودية التي تنجح في تقديم جزء ثان يضاهي الجزء الأول لأي فيلم ناجح منها، إذ غالباً ما تعمد شركات الإنتاج الكبرى إلى استغلال أي فيلم يحقق النجاح ويحوز على الشعبية لتلحقه بجزء آخر، لكن قلما نجد أجزاء ملحقة تتوافر فيها نفس شروط النجاح الفني التي أدت إلى شهرة الجزء الأصل.. العرّاب بجزئه الثاني كان من أوائل الأفلام التي كسرت هذه القاعدة، فالكثير من النقاد وعشاق هذه السلسلة يعتبرون الجزء الثاني هو الجزء الأفضل على جميع الأصعدة.. سيناريو وإخراج وأداءات.

بعد النجاح الباهر الذي حظي به الجزء الأول من الفيلم أعلنت باراماونت عزمها إنتاج جزء ثان، وتوقع الكثيرون في البداية فشل المشروع من أساسه وعجز كوبولا عن خلق الأرضية اللازمة لسيناريو قوي تستند عليه حبكة الفيلم لتضاهي ما قدم في الجزء الأول، إلا أن كوبولا استطاع بمساعدة ماريو بوزو إثبات خطأ التوقعات، عندما استطاع تقديم سيناريو مبتكر، لم يكتف خلاله كاتبا السيناريو بمتابعة الفيلم من نهاية جزئه الأول والمضيّ قدماً مع العرّاب الجديد فحسب، بل عادا بالسيناريو إلى الماضي ليضيئا لنا بداية طريق الطفل فيتو كورليوني ورحلة الارتقاء من صقلية إلى زعامة العوائل في نيويورك.. في سيناريو تمكن من إيجاد الكثير من الخيوط المتشابكة بين القصتين المحوريتين.. قصة مايكل الحالية وقصة فيتو السابقة، ومزج بين القصتين بشكل مميز.

كوبولا استهلّ فيلمه من حيث انتهى جزءه السابق، ليبدأ لنا بمشهد افتتاحيّ يركز على وجه الدون الجديد وهو يتقبل الولاء ويتسلم مقاليد حكم العائلة، قبل أن يعود بنا بعيداً للوراء.. وهذه المرة لصقلية، لنجد أماً تفقد زوجهاً وابنها في قصة ثأر، ولم يتبق لها سوى صغير حاولت الحفاظ على حياته باستماتة، قبل أن تلقى نفس المصير الصقليّ الأسود، وليجد الفتى نفسه وحيداً في مواجهة قدره الذي يقوده عبر سفينة مكتظة بالمهاجرين إلى تمثال الحرية.. الذي يرمقه بنظرة تلخص الكثير من تطلعات هذا الصبي المستقبلية وسعيه لأن يكون اسماً ذا شأن في أرض الفرص والأحلام الضائعة .
وكما لو أنها إعادة تذكير بمجد آل كورليوني في الجزء الأول، يعود بنا كوبولا مرة أخرى للزمن الحاضر مع حفل كبير في بيت العائلة، لنرى مايكل خلف كرسيه كما كان فيتو، يستمع لطلبات الناس ويقابل مختلف الشخصيات على اختلاف درجات أهميتها..ساسة وضباط وسيناتورات في مجلس الشيوخ. لا نلمح في عيني الدون تلك الثقة التي رأيناها في عيني أبيه، المشاكل فوق رأس العراب الشاب من كل حدب وصوب..الامبراطورية لم تعترف بامبراطورها الجديد بعد، وعلى الدون عليه أن يضرب بحزم ليحظى بتلك المكانة الرفيعة التي كانت للدون السابق.

يتعرض مايكل وعائلته لمحاولة اغتيال، وما بين محاولته توسيع نفوذ العائلة عبر ميامي وكوبا، ومحاولته معرفة من كان وراء تدبير محاولة الاغتيال.. يرتفع النسق الدرامي للقصة وصولاً لنهايته… مع عودات للماضي لنرى فيتو في بداياته في الحيّ الإيطالي في نيويورك. برشاقة ينتقل بنا كوبولا عبر القصتين بذكاء استخدامه للفلاش باك، ليتوقف عند نقاط محددة في حياة كلاً من الشخصيتين، ويترك المشاهد أمام ردات فعلهما حول العديد من المواقف المتشابهة التي مرت بهما.

ومثلما قدّم مخرج العمل الفرصة لأسماء كثيرة عبر أدوارها في العراب بجزئه الأول، فقد مهّد كوبولا الطريق لموهبة روبرت دي نيرو الأميركي ذو الأصل الايطالي والذي برهن على حضور قوي قبل العراب، عبر ظهوره في “مرحبا أمي” مع براين دي بالما، وفي “شوارع دنيئة” مع مارتن سكورسيزي، وفي حين كان كوبولا يفكر في إسناد دور كورليوني إلى مارلون براندو نفسه، إلا أنه وجد مسألة إعطاء الدور لشخصية فتية بالأمر الأكثر إقناعاً ، وكان لعب هذا الدور تحدياً كبيراً لدي نيرو، لأن تقديم شخصية كشخصية الدون كورليوني في صباه أمر فيه من الصعوبة الشيء الكثير باعتبارها شخصية شهيرة لم يمض على حضورها في الجزء الأول سوى قرابة العام وبعض العام، لا تزال معظم حركاتها ولكنتها وصوتها الأبح حاضرة بأذهان من تابع الجزء الأول، أضف إلى صعوبة موقف الممثل الشاب بوضعه في مقارنة مع نجم بقيمة براندو.
دي نيرو اتجه لصقلية قبيل البدء بتصوير دوره، وبقي فيها

فترة ليستطيع إتقان اللهجة الصقلية بالشكل الأمثل، سيّما أن كوبولا صوّر كل قصة فيتو القديمة بدءاً من صقلية وصولاً لحي المهاجرين باللغة الايطالية ليعطي القصة أبعاداً حقيقية أكثر. وبالفعل نجح دي نيرو في تأدية دوره عبر مسارين: مسار “تقمّص” شخصية كورليوني بحركاتها وسكناتها، ومسار “ابتكار” لمسة دي نيرو الخاصة. كوبولا لم يرد من دي نيرو مجرد تقمص عادي لشخصية فيتو ، ودي نيرو أجاد تقديم شخصيته ببراعة استحق عليها أوسكار أفضل ممثل في دور مساعد عام 1974 ، لتكون شخصية فيتو كورليوني الشخصية السينمائية الأولى التي تحظى بأوسكارين لممثلين مختلفين.
دور فيتو كان بمثابة النبوءة عما يمكن أن يقدم دي نيرو، نبوءة تلقفها مارتن سكورسيزي فيما بعد واحتضن موهبة الشاب ليقدم معه أعمالاً بقيمة “الثور الهائج” و”سائق التكسي” و “صائد الغزلان” و “نيويورك نيويورك“.


حضور دي نيرو الطاغي في الجزء الثاني لم يحل دون ملاحظة الأداء اللعالي الذي قدّمه آل باتشينو حين قدم دور مايكل بشكل مغاير لما كان عليه في الجزء الأول، وفق متطلبات المرحلة الجديدة من النص، لم يعد لذاك الضابط الشاب وجود في عقلية الدون، ولم نعد نرى التشتت في عينيه، على العكس بدت نظرات مايكل أقسى. وعلى الرغم مما مرت به الشخصية من تحديات رهيبة عبر محاولة قتلها، أو التحجيم من نفوذها ، أو ما عانته من مشاكل عائلية – مع زوجته كاي -، إلا أن شخصية مايكل بقيت قوية حتى آخر لحظة، وعلى الرغم من الانكسار الداخلي الذي أصابه عقب اكتشافه خيانة أقرب الناس له.. إلا أن العراب هو العراب، عليه ألا ينحني مهما كانت الظروف.
باتشينو جسّد تلك المعطيات ببراعة، ومثلما حصد دوره في الجزء الأول على الترشيح كأحسن ممثل مساعد، حظي هذه المرة بترشيح أفضل ممثل في دور رئيسي.

اهتمام كوبولا المتوازي بجميع تفاصيل شخوص فيلمه أعطت فرصة البروز للجميع في أدوارهم المساعدة، بدءاً من دي نيرو.. ومروراً بالقدير لي ستراسبرغ الذي جسد شخصية هايمان روث اليهودي ذو الوجهين، العجوز اللطيف من الخارج، قشرة رقيقة تخفي داخلها وحشاً لا يتورع عن تنفيذ أي شي ليصل لغايته.. ونهاية بمايكل غازو الذي لعب دور بانتانجيلي رجل العراب السابق، والذي انشق فيما بعد عن العائلة قبل أن يواجه المصير الأخير. حتى تاليا شاير التي قامت بدور العمة كوني، أخذت حيّزاً أوسع عن الدور الذي قدمته في الجزء الأول، لم تعد تلك الفتاة العصبية المدللة، تقدمت السن بها، وأدركت أن لاملاذ لها سوى العائلة ومايكل على الرغم من معرفتها في داخلها أنه قاتل زوجها كارلو.

وعلى نفس النهج الصقلي وبذات الانسيابية الحالمة، قدّم نينو روتا ألحان غاية في الجمال، وبإحساس موسيقي عالي حظي عنه روتا بأوسكار أفضل موسيقى تصويرية.

إحدى أجمل العوامل التي أعطت للفيلم رونقاً كان السينماتوغرافي الممتاز عبر براعة المصّور جوردن ويليس في التقاط ذاك التمايز والاختلاف بين الحقبتين التي تحدث عنهما الفيلم، فحين يعود الفيلم للفلاش باك يجهد ويليس في إعطاءنا صورة أنعم، انسيابية أكثر، غنية بالتفاصيل اللونية. في حين يعيدنا بصورة فيها نوع من الحدّة والتباين اللوني عندما يعود للقصة الحالية للفيلم …تفصيل صغير اهتم به كوبولا بعناية مدركاً أن نجاح الأفلام الكبيرة يرتكز في الأساس على أدق التفاصيل الصغرى.

Expresse tv



شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...